صيف الغضب العربى ضد الإسلاميين يبدأ فى المغرب

جريدة القاهرة

صيف الغضب العربي ضد «الإسلاميين» بدأ في المغرب

نشر في القاهرة يوم 12 – 06 – 2012

تزامناً مع موجات الغضب التي تجتاح دول الربيع العربي علي أداء الإسلاميين وتعالي الأصوات المشككة في نوايا حركاتهم المختلفة بعد وصول العديد منها إلي مناصب سيادية، شهدت المغرب التي سارعت منذ بدء الربيع العربي بتقديم برنامج إصلاحي لاحتواء المطالب الشعبية تظاهر عشرات الآلاف في الدار البيضاء ضد الحكومة الإسلامية التي يقودها عبدالإله بن كيران مطالبين بتحسين الوضع الاجتماعي في البلاد. دور النقابات العمالية وكانت هذه المظاهرات قد نظمت تلبية لدعوة نقابتين للعمال، هما الكونفيدرالية الديمقراطية للشغل والفيدرالية الديمقراطية للشغل. وحظيت هذه الدعوة بدعم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أكبر الأحزاب اليسارية المعارضة في البرلمان بالإضافة إلي حركة 20 فبراير. وانضم للمظاهرات أيضاً نشطاء من أحزاب يسارية راديكالية. وجاء في البيان الصادر عن النقابتين “أن المغرب يعيش اختلالات بنيوية متعددة، مسّت جميع الحقول والمجالات، خاصة منها المجال الاجتماعي، الذي يحتاج حسبه، إلي قرارات وطنية كبري، وصفها بالجريئة والشجاعة، تتجاوز حدود الترقيعات والبحث عن الحلول الجزئية”. وقال حسن طارق، النائب عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية “هناك أكثر من 50 ألف شخص، يتظاهرون لمطالبة الحكومة بفتح حوار حقيقي حيال التوتر الاجتماعي في بلادنا”. كما نظمت كل من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والفيدرالية الديمقراطية للشغل مسيرة وطنية في مدينة الرباط. وأعلن اتحاد الجامعات الوطنية لسائقي ومهنيي النقل بالمغرب عن تنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر وزارة النقل والتجهيز بالرباط في الرابع عشر من يونية الجاري للتعبير عن الضرر الذي تعرض له القطاع من جراء الزيادة في أسعار الوقود. تفاقم الأزمة الاجتماعية يذكر أن هذه المظاهرات هي الأكبر من نوعها التي تم تنظيمها منذ تولي عبد الإله كيران رئاسة الحكومة في المغرب في يناير الماضي عقب فوز حزبه وهو حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية التي أجريت في نوفمبر من العام الماضي. وتجيء المظاهرات احتجاجاً علي تفاقم الأزمة الاجتماعية في المغرب من ارتفاع نسبة البطالة وغلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع نسبة الفقر وتزايد التهميش الاجتماعي والاقتصادي، بالإضافة إلي استمرار الفساد. ورداً علي مطالب المتظاهرين، وعد رئيس وزراء المغرب بتقديم دعم نقدي مباشر للفقراء، في إطار إصلاح نظام دعم السلع الباهظة التكلفة، وذلك بعد أن فرضت حكومته واحدة من أكثر الزيادات حدة في بضع سنوات في أسعار الوقود. ودعا بن كيران الفقراء المغاربة إلي فتح حسابات مصرفية أو بريدية لضمان الاستفادة من إصلاح نظام الدعم. وأدت الزيادة في أسعار الوقود بنسبة درهمين في سعر البنزين إلي موجة شديدة من الغضب، واستنكر قياديون داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم إقرار هذه الزيادة. وشهد اجتماع الأمانة العامة للعدالة والتنمية احتجاج البعض علي هذه الزيادة ومن بينهم مصطفي الرميد، وزير العدل والحريات، والحبيب الشوباني، الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان وهيئات المجتمع المدني، اللذين وصفا القرار بأنه “غير شعبي”. صراع بين المعارضة والحزب الحاكم وعلي الرغم من الوعود التي يقدمها بن كيران، إلا أن بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية وجهوا اتهامات لمنظمي المظاهرات باستخدامها لأغراض سياسية. وقال عبد الله بوانو، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، إن حزبه يقدر المطالب الاجتماعية ويري معقوليتها غير أنه وصف مسيرة الدار البيضاء بالإفلاس السياسي وبأنها غطاء أيديولوجي لفئة محدودة. وأضاف ‘أن ما سمي بمسيرة الغضب تطرح أكثر من علامة استفهام. فلا أظن أن توقيت المسيرة مناسب للاحتجاج علي حكومة لم يمر علي تنصيبها إلا أربعة أشهر، وقانون مالي لم يمر علي المصادقة عليه سوي أسبوع خصصنا من خلاله 31.2 مليار كالتزام مالي لتزيل مضامين ما تم الاتفاق عليه في الحوار الاجتماعي وهذه سابقة للاحتجاج علي حكومة ما تزال في عامها الأول”. وعلي الرغم من ذلك، فإن ردود الأفعال الغاضبة توالت بسبب الزيادة في أسعار الوقود. ورفض رئيس الجمعية المغربية لحماية المستهلك، بوعزة الخراطي، هذه الزيادة ووصفها بأنها تمثل تراجع الحكومة عن الالتزام بوعدها بدعم القدرة الشرائية للمواطن المغربي. واتهمت المعارضة بن كيران أيضاً بالصمت عن الفساد في البلاد، وقال محمد العوني، رئيس منظمة حرية الإعلام والتعبير “إن علي الحكومة إذا أرادت أن تذهب بعيداً في محاربة الفساد، أن تدخل حلبته فِعلياً، ولا يكفي في ذلك التصريحات ولا الشعارات”. وأشار محمد العوني إلي ضرورة اتباع استراتيجية عملية تعتمِد التدرج من أجل محاربة الفساد. وكان رئيس الكومة المغربية، عبدالإله كيران، قد تمت مساءلته في مجلس النواب في جلسة الرابع عشر من مايو الماضي بعد أن وجهت كتل المعارضة عدة انتقادات لحكومته منها البطء في العمل علي الملفات الساخنة التي ينتظر الرأي العام المغربي حلولاً لها، زيادة علي غياب مخطط للتشريع لتطبيق الدستور، وطالبت المعارضة الحكومية بالانتقال لثقافة الإنجاز كبديل لثقافة الكلام فقط. ورداً علي المساءلة، قال رئيس الحكومة المغربية، عبد الإله بن كيران، إن الفترة الزمنية التي لم تتعد الأربعة أشهر منذ تسلم الحكومة لا تسمح بالحكم علي أدائه نظراً لقصرها ونظراً لوجود من أسماهم ب”العفاريت” الذين لا يريدون الإصلاح لأنهم يملكون نفوذاً. غير أنه عبر عن ثقته في قدرة حزبه علي إدارة الأمور بشكل جيد وتسييرها في الاتجاه الصحيح لأنه لا يريد القيام بأعمال ترقيعية، وإنما يريد أن يحدث إصلاحاً حقيقياً. قمع المتظاهرين من جهة أخري، أشار التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية حول حقوق الإنسان في المغرب إلي تفشي أساليب القمع الذي تنتهجه السلطات المغربية ضد الاحتجاجات السلمية التي خرجت إلي شوارع المدن من أجل المطالبة بالإصلاحات السياسية، وأعطي التقرير أمثلة علي ذلك من سجن نشطاء من حركة 20 فبراير ومضايقة أقاربهم من طرف السلطة. وانتقد عبد الرحمن العزوزي، الأمين العام للفيدرالية الديمقراطية للشغل استعمال الحكومة للقوة في مواجهة الاحتجاجات الاجتماعية السلمية. كما اتهم العزوزي حكومة بن كيران بالسعي لإفراغ الدستور الجديد من محتواه عن طريق تضييق الحريات وتقييد الديمقراطية. وفي الوقت نفسه، وجه سجناء ينتمون إلي تيار السلفية الجهادية انتقادات إلي حكومة عبدالإله بن كيران بسبب تجاهل مطالبهم المتعلقة بتحسين أوضاعهم داخل السجون وفتح حوار معهم. وقام عدد من السجناء الإسلاميين في عدد من السجون المغربية بالإضراب عن الطعام منذ التاسع من أبريل الماضي احتجاجاً علي التعذيب والأوضاع الإنسانية السيئة التي يعيشونها. ووجه السجناء رسالة إلي بن كيران طالبوه فيها بفتح تحقيق في الأحداث التي أودت بهم إلي السجن، واتهموه ب”دغدغة آمال الناس بالحديث عن الكرامة والعدالة والحرية في البرلمان”. غضب علي أداء الإسلاميين وفي الوقت الذي تواجه فيه حكومة بن كيران انتقادات واحتجاجات واسعة، قامت وزارة الداخلية بإدراج حزب العدالة والتنمية الحاكم إلي جانب جمعيات دينية أخري تجري مراقبتها وذلك من أجل رصد النشاط الديني في المملكة. وشملت قائمة وزارة الداخلية أحزابا وجماعات دينية أخري من بينها حركة التوحيد والإصلاح وحزب النهضة والفضيلة والسلفية التقليدية والسلفية المغراوية والسلفية الجهادية. وأثار هذه القرار ردود أفعال غاضبة داخل حزب التنمية والعدالة الذي يعتبر نفسه حزب سياسي. المراقب للأحداث في كل من الجزائر والمغرب وتونس ومصر، لا يسعه سوي أن يلاحظ موجة مشتركة من بدء المحاكمات الشعبية لأداء الحركات الإسلامية بعد دخولها مضمار السياسة عن طريق صندوق الاقتراع. ويلاحظ أيضاً صحوة للتيارات اليسارية التي تجمعها مع التيارات الإسلامية الدعوة إلي تحقيق العدالة الاجتماعية. ولكن إصرار الأحزاب الإسلامية علي الخلط بين الدين والسياسة علي أرض الواقع من ناحية، وعلي الاستمرار في التصريح بتمسكها بمفهوم الدولة المدنية من ناحية أخري جعل شعوب دول الربيع العربي تتساءل عن مصداقية الأحزاب ذات المرجعية الدينية وعن قدرتها علي الفعل وليس القول.

صيف الغضب العربى ضد الإسلاميين بدأ فى المغرب

بعد فوز الأحزاب الدينية العالم العربى يتحول إلى دولة الخلافة

جريدة القاهرة

بعد فوز الأحزاب الدينية العالم العربى يتحول إلى دولة الخلافة

بعد فوز الأحزاب الدينية..العالم العربي يتحول إلي دولة الخلافة

نشر في القاهرة يوم 06 – 12 – 2011

مع الانتهاء من انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في تونس ومن انتخابات المجلس التشريعي في المغرب ومن المرحلة الأولي للانتخابات البرلمانية المصرية، باتت كل المؤشرات تؤكد اكتساح التيارات الإسلامية وكأن الربيع العربي الذي بدأ بثورة الياسمين في تونس وانتقل إلي البلدان العربية الأخري كان بادرة لهذه التيارات حتي تستنفر تنظيماتها السياسية للانتقال إلي السلطة بعد سنوات من التهميش والتنكيل والمنع من قبل الأنظمة السابقة. النبوءة الإيرانية وتحيلنا التطورات الانتخابية الأخيرة في كل من تونس ومصر والمغرب إلي التصريحات الإيرانية عقب اندلاع الثورة المصرية والتي جاءت علي لسان علي أكبر صالحي، وزير الخارجية الإيراني، الذي قال “من خلال معرفتنا للشعب المصري الثوري الكبير وصانع التاريخ فإننا علي ثقة بأنه سيضطلع بدوره جيداً في إيجاد شرق أوسط إسلامي يتعلق بالأحرار ومريدي العدالة والاستقلال في المنطقة بصورة جيدة”. ونقل صالحي وجهة نظر النظام الإيراني الذي يري أن ثورات الشعوب العربية الواحدة تلو الأخري ما هي إلا مقدمة لمجيء حكومات إسلامية تغير شكل الشرق الأوسط تماماً وشكل تحالفاته الإقليمية والدولية. ربما تكون الأطروحة الإيرانية أقرب للتحقق في الوقت الراهن بسبب عدة عوامل كانت متوقعة علي رأسها تفتيت المعارضة السياسية التي أضعفت عمداً علي مدي سنوات من الابعاد السياسي ولم تنجح في تجاوز انقساماتها الداخلية أو تقديم برامج سياسية قوية تحظي بقاعدة قوية من التأييد الشعبي. وتعد الانتخابات البرلمانية التي أجريت في المغرب في الخامس والعشرين من نوفمبر الماضي تتويجاً للوعود الإصلاحية التي قدمها العاهل المغربي تحت ضغط المطالب الشعبية. وكان العاهل المغربي الملك محمد السادس قد أعلن في السابع عشر من يونية الماضي عن مشروع إصلاحات دستورية تشمل تقليص سلطات الملك الواسعة وتعزيز سلطات الحكومة مع احتفاظ الملك برئاسة الدولة وقيادة الجيش وإدارة السياسة الخارجية وتعيين القضاء وسلطة حل البرلمان. كما اشتمل مشروع الدستور الجديد علي عدة محاور في مقدمتها الملكية البرلمانية، واعتبار اللغة الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلي جانب اللغة العربية، وترسيخ ضمان حقوق الإنسان، والالتزام بالمواثيق الدولية التي صدّقت عليها المغرب. ومن بين الحقوق التي أكد العاهل المغربي علي التوجه لحمايتها مساواة الرجل والمرأة، وتوفير شروط المحاكمة العادلة وتجريم التعذيب والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي وكل أشكال التمييز والممارسات المهينة للكرامة الإنسانية وضمان حرية التعبير والرأي، وحق الولوج إلي المعلومات وتقديم العرائض. وارتبطت الإصلاحات أيضاً بالوضع الدستوري لرئيس الحكومة الذي يتم تعيينه من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب ويعطيه الدستور صلاحية اقتراح أعضاء حكومته وإقالتهم، والإشراف علي الإدارة العامة والتعيين في المناصب المدنية علي أساس الاستحقاق والشفافية. كما يملك رئيس الحكومة أيضاً صلاحيات اقتراح التوظيف في المناصب الرفيعة مثل المحافظين والسفراء ومسئولي الإدارة الأمنية الداخلية. العدالة والتنمية في الصدارة واليوم وبعد أن جني المغاربة بعض ثمار الربيع العربي وتحت ضغوط من الحركات الشبابية المطالبة بنظام ملكي برلماني والتي من أهمها حركة 20 فبراير، فاز حزب العدالة والتنمية ب107 مقاعد في البرلمان مما سيسمح لأمينه العام عبدالإله بن كيران بتشكيل الحكومة. وقال كيران عقب أن حل حزبه في الصدارة “إننا عشنا في المغرب الربيع العربي بطريقتنا الخاصة، وفضلنا ألا نغامر باستقرار بلادنا”. ومثله مثل حزب النهضة في تونسوحزب الحرية والعدالة في مصر، فإن حزب العدالة والتنمية المغربي يعد امتداداً لجماعة الإخوان المسلمين التي انتهجت نهج المطالبة بالديمقراطية والمواطنة مما جعل خطابها أقرب إلي القبول لدي الشعب لاسيما مع تأكيد هذه الأحزاب علي احترام حقوق المرأة والأقليات والحريات الشخصية. ويتكون البرلمان المغربي المنتخب من 395 مقعداً، بينها 90 مقعداً جري التصويت عليها بنظام اللائحة الوطنية، 60 مقعداً للنساء، و30 مقعداً للشباب ( أقل من 40 سنة ). وتجاوزت نسبة المشاركة في الانتخابات 45% مما أعطي مؤشراً إيجابياً لارتفاع نسبة المشاركة السياسية. تحديات تشكيل الحكومة وعلي الرغم من فوز الأحزاب الإسلامية الكبري في كل من تونس والمغرب، تظل هناك تحديات كبيرة في انتظارها فحزب النهضة التونسي يواجه ضغطاً من السلفيين في تونس بينما يواجه حزب العدالة والتنمية تحدي تشكيل الحكومة التي لابد وأن تكون ائتلافية كما يواجه تحديات عديدة في إدارة البلاد في المرحلة المقبلة. وتباينت مواقف الأحزاب والقوي السياسية في المغرب من المشاركة في الحكومةالجديدة حيث أكد حزب “التجمع الوطني للأحرار” الذي يقود تكتل التحالف من أجل الديمقراطية وحصل علي 52 مقعداً رفضه المشاركة في الحكومة. وقال الحزب في بيان أصدره إنه “اختار بكل وعي ومسئولية ودفاعاً عن مشروعه الحداثي الديمقراطي الاصطفاف في المعارضة”. في الوقت نفسه، قال رئيس الحكومة المعين إنه لا يمانع التحالف مع أي طرف باستثناء حزب الأصالة والمعاصرة الذي حظي ب 47 مقعداً. وبذلك تبدو المؤشرات الأولية أن هناك إمكانية تحالف حزب العدالة والتنمية مع أحزاب “الكتلة الديمقراطية” التي تضم حزب الاستقلال الذي يقود الائتلاف الحكومي الحالي بقيادة سكرتيره العام عباس الفاسي والذي حصل علي 60 مقعداً وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ولديه 39 مقعداً وحزب التقدم والاشتراكية ب 18 مقعداً وذلك لتشكيل الحكومة المقبلة فيما لم يصدر عن هذه الأحزاب أي موقف رسمي بعد. تحدي السلفية أما فيتونس، فيواجه حزب النهضة حرباً محتدمة مع السلفيين الذين قاموا في الآونة الأخيرة بتشديد مواقفهم من العلمانية في البلاد. وقام السلفيون في تونس مؤخراً باقتحام جامعة منوبة والاعتصام فيها للمطالبة بتمكين الطالبات المنتقبات من الجلوس للامتحانات وتخصيص مسجد في حرم الجامعة، والتفريق بين الطلبة الإناث والذكور، وعدم السماح للرجال بتدريس النساء، والنساء بتدريس الرجال. وكرد فعل، أعلنت نقابة أساتذة الجامعات التونسية إضراب عام واحتجاجات في كل جامعات البلاد. كما أعلنت الجامعة عن اعتزامها تنظيم تجمع احتجاجي أمام مقر المجلس الوطني التأسيسي، وعن تجمعات احتجاجية مماثلة أمام مختلف الجامعات في البلاد تنديداً بالاعتداءات علي الحريات الفردية والعامة، وكذلك علي الحريات الأكاديمية. وكانت اعتصامات السلفيين قد شهدت اشتباكات بالأيدي داخل الحرم الجامعي في كلية الآداب والفنون بين الطلبة السلفيين والطلبة العلمانيين الذين عبروا عن رفضهم للمنتقبات وعن ضرورة احترام القوانين الجامعية. وقامت هذه المجموعات الملتحية، بحسب شهادات الطلبة والعاملين بالجامعة، باحتجاز عميد الكلية والاعتصام في بهو الجامعة إلي حين تلبية مطالبهم. وأكد عميد الكلية، الحبيب الكزدغلي، أن عشرات السلفيين الذين لا ينتمون إلي الكلية قاموا بمنع طلبة من دخول الامتحان وهددوه بأنه سيبقي قيد الاحتجاز إلي حين تلبية جميع مطالبهم. ويعد حادث اقتحام جامعة منوبة ليس الأول من نوعه فقد شهدت إذاعة “الزيتونة” للقرآن الكريم عملية اقتحام مماثلة من جماعة سلفية يقودها الشيخ عادل العليمي، الذي أعلن عن تأسيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تونس، وقام بطرد مديرة الإذاعة السيدة إقبال الغربي بحجة أنها غير مؤهلة لإدارة مؤسسة دينية. وصرح الشيخ العليمي بأن الهيئة ستعمل علي الإصلاح والهداية في كل المجالات الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتي الرياضية، وستكون عاملا فاعلا مستقلا يمكنه إصلاح الحكومة ومراقبتها. كما سبق وقام السلفيون بتبير حادث الهجوم علي سينما أفريكار وعلي قناة نسمة والاعتداء علي المخرج النوري بوزيد والهجوم علي المصطافين بأحد الشواطئ. خلفية واحدة وتيارات مختلفة وعلي الرغم من المكاسب التي حققتها الحركات الإسلامية بفضل الربيع العربي، وعلي الرغم من انطلاقها جميعاً من معطيات واحدة، فإن هذه الحركات يمكن بصفة عامة تقسيمها إلي ثلاثة تيارات: التيار المنبثق عن فكر جماعة الإخوان المسلمين، التيار الجهادي، والتيار السلفي. وبما أن التيار الجهادي لا يزال محظوراً في معظم الدول العربية، فإن المرحلة القادمة ستشهد منافسة قوية بين التيارات الإسلامية المعتدلة وبين التيار السلفي وستكون أهم محاور هذه المنافسة المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، ومناهضة العلمانية والليبرالية والديمقراطية وإقصاء المرأة عن العمل السياسي والحياة الاجتماعية العامة. وانتقد الأمين العام للحركة السلفية في تونس، رضا أحمد صمدي، الديمقراطية واعتبرها كفراً. وفي الوقت الذي يختلف فيه التيار المعتدل عن التيار السلفي، فإنه لم يتخذ موقفاً واضحاً من المنهج السلفي ومن التصريحات التي تصدر عن كوادره والتي تعد بمثابة تهديد صريح لمستقبل المجتمع المدني. ونري ذلك مثلاً في التجربة التونسية حيث لم يقم حزب النهضة بإدانة الهجمات السلفية أو بمناصرة ضحاياها. وهو ما أكدته الدكتورة فاطمة جغام، أستاذ الفنون التشكيلية، التي تعرضت إلي اعتداء من مجموعة من تلامذها السلفيين الذين طالبوها بمغادرة قاعة التدريس باعتبار أن الفنون التشكيلية حرام واتهموها بالكفر. وأضافت “الغريب في الأمر أن زملائي الذين ينتمون لحركة النهضة لم يتضامنوا معي ولم يدينوا ما تعرضت إليه من تهديد وعنف لفظي”. العالم العربي الذي يشهد تمدد للأنظمة الإسلامية سيشهد بلاشك المزيد من الصراع بين التيارات الإسلامية المعتدلة وبين التيار السلفي. ولكن في جميع الأحوال، نري مؤشرات مهادنة التيارات المعتدلة للتيار السلفي تتمثل في الامتناع رأينا في تصريح الرئيس السابق لحركة النهضة الصادق شورو الذي طالب بوضع “بنودًا في الدستور ليكون الإسلام هو المرجعية التي يستلهم منها المجلس التأسيسي القوانين والنظم القضائية والتربوية والاجتماعية والسياسية”، وهو الأمر الذي اعتبره المحللون بأنه خطوة علي طريق إقامة الخلافة الراشدة.